‏إظهار الرسائل ذات التسميات هرمس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هرمس. إظهار كافة الرسائل

النبي إدريس (أخنوخ): من علّم البشرية الكتابة وعلم النجوم؟

لوحة تاريخية تجسد هرمس المثلث العظمة (النبي إدريس) وهو يعلم البشرية الكتابة والحكمة.
                                                      هرمس (إدريس) معاصراً لموسى.. كيف انتقلت المعرفة عبر الحضارات؟ (المصدر: ويكيميديا كومنز).


في مقالنا السابق، تساءلنا بجرأة: هل بدأ التاريخ حقاً مع اختراع السومريين للكتابة (3200 ق.م)؟ وهل كان الإنسان قبل ذلك بدائياً بلا وعي؟ قلنا إن النقوش القديمة قد تكون كوداً علمياً لم نفهمه بعد. لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه الآن هو: من أين جاء هذا العلم؟ ومن علّم الإنسان الأول الكتابة والنجوم؟

إذا بحثنا في النصوص القديمة، سنجد إجابة صادمة. إجابة تقف على حدود التاريخ البشري لتربط بين الأرض والسماء.

 أول من خط بالقلم...
في تراثنا الديني والإسلامي، هناك شخصية محورية تُعرف باسم النبي إدريس. ذُكر في القرآن الكريم في سورتي مريم والأنبياء، وقال عنه تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا).
لكن التراث يروي لنا تفاصيل مذهلة عن طبيعة "العلم" الذي جاء به. تذكر الروايات أنه أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، وأول من استخرج علم النجوم والحساب. إنه ليس مجرد نبي، بل هو "المعلم الأول" الذي نقل البشرية من العشوائية إلى التدوين والقياس.

 إدريس.. أخنوخ.. هرمس.. تحوت

هذه ليست مجرد أسماء؛ إنها نفس الشخصية التي ظهرت في حضارات مختلفة.

· في التوراة، يُعرف بـ أخنوخ (Enoch)، الذي "سار مع الله".
· في الميثولوجيا المصرية، يظهر كـ تحوت (Thoth)، إله الحكمة والكتابة والرياضيات، الذي علم المصريين علوم الفلك.
· في الفلسفة اليونانية، يُعرف بـ هرمس Trismegistus (هرمس المثلث العظمة)، الذي يُنسب إليه آلاف الكتب في الكيمياء والفلك والروحانيات.

هذا التقاطع المذهل بين الأسماء والوظائف (الكتابة، الفلك، الحكمة) يثبت أن هناك "نواة معرفية" واحدة انتقلت عبر الحضارات. 
"هذه النواة هي التي علمت السومريين كيف يدونون، وعلمت المصريين كيف يبنون ويرصدون النجوم. فمن علمهم هذا الهندسة لبناء معابد عملاقة مثل غوبكلي تبه قبل 12 ألف عام؟"
 لماذا يربطون إدريس بالأهرامات؟

توجد نظريات غامضة، تروج لها بعض النصوص القديمة (مثل مخطوطات هيرميس)، بأن إدريس (أو هرمس/تحوت) هو من أشرف على بناء الأهرامات، وأنه ترك فيها الرموز والخرائط الفلكية لحماية "العلم المقدس" من الطوفان العظيم. نحن هنا لا نؤكد ذلك كحقيقة أثرية، لكننا نقرأه كإشارة: القدماء كانوا يثقون تماماً بأن معرفتهم لم تأتِ من فراغ، بل من كائنات "علّمتهم".

رسم قديم يرمز لهرمس المثلث العظمة وهو يحمل رموزاً فلكية وكيميائية تمثل علم النجوم.
                                         هرمس (إدريس) في التراث القديم.. رمز علم النجوم والحكمة. (المصدر: ويكيميديا كومنز).

 الربط بين الماضي والحاضر

منذ أيام، تحدثنا في مقال "وهم الإنسان البدائي" عن الكود الثنائي (0110001) وأن لغاتهم قد تكون أعقد مما نتصور. واليوم، نجد الإجابة في النصوص: لقد كان "العلم" موجوداً منذ البداية. إدريس علمهم الحساب، فقاسوا الزمن وبنوا المعابد، ولكن مع مرور القرون، ضاع المفتاح، وتحولت علومهم إلى "رموز بدائية" نفشل في قراءتها الآن.

هذه هي الحقيقة التي يخاف منها المؤرخون الماديون: الحضارة لم تبدأ بالصدفة، بل بدأت بمعلم.

"اقرأ أيضاً:
هل تساءلت كيف تحولت هذه المعرفة إلى رموز لم نفهمها؟ اكتشف في مقال وهم "الإنسان البدائي":
 لماذا نرفض التاريخ الذي يبدأ بالكتابة؟" و
كيف أن النقوش القديمة قد تكون أعقد من الكود الثنائي.

بهذا نتوقف عند حدّ الرواية: خطٌّ بالقلم، وحسابٌ للنجوم وسيرها، ونبيٌّ سُمّي إدريس لكثرة درسه الكتب. لكن الرواية وحدها لا تُقنع من يطلب أثرًا يلمسه. فهل تركت الحضارات القديمة ما يثبت أن الإنسان رصد السماء وكتبها قبل أن تُولد المكتبات؟ الجواب نزل إلينا من تحت رماد نينوى: أرشيف ملك آشوري جمع فيه كل ما عرفه العالم القديم، وفيه ألواح ترصد حركة الزهرة وتوثّق الكسوف. تفصيل ذلك في الحلقة التالية: [مكتبة آشور بانيبال: الإمبراطورية التي حفظت العالم بالنار].


الاكثر قراءة