‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما قبل التاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ما قبل التاريخ. إظهار كافة الرسائل

وهم "الإنسان البدائي": لماذا نرفض التاريخ الذي يبدأ بالكتابة؟

رسوم كهف لاسكو تعبر عن وعي الإنسان منذ الخليقة.
 رسومات من كهف لاسكو بفرنسا - المصدر: صفحة pagefadydow [1.2.1، 1.2.8].

المقدمة:
هل يمكنك أن تتخيل عالماً كاملاً يعمل، ويتواصل، ويبني، ويسجل أحداثه، ثم يأتي من يصفه بـ "البدائي" لمجرد أنه لم يستخدم الحروف الأبجدية التي نستخدمها نحن؟
هذا هو بالضبط ما فعله علم التاريخ الحديث. لقد رسم علماء الآثار والأنثروبولوجيا خطاً وهمياً في الرمال، وقرروا أن "التاريخ" يبدأ في اللحظة التي اخترع فيها السومريون الكتابة المسمارية في العراق، حوالي 3200 قبل الميلاد. وكل ما سبق ذلك، أُلقِيَ في سلة المهملات تحت مسمى: "عصور ما قبل التاريخ" (Prehistory). وكأن الإنسان قبل السومريين كان كائناً بلا وعي، أو بلا ذاكرة، أو بلا لغة.

لكن دعنا نفكك هذا الوهم.

أولاً: من يملك الحق في تعريف "التاريخ"؟
المنهج التاريخي الغربي في القرن التاسع عشر هو من وضع هذا التعريف. لقد كانوا يبحثون عن نصوص يمكنهم قراءتها وفهمها بسهولة، ليصنفوا الحضارات على أنها "متقدمة" أو "بدائية". الحضارات التي تركت لنا نقوشاً ورموزاً (مثل المايا، أو وادي السند، أو حتى بناة غوبكلي تبه) تم وصمها بأنها بدائية لأنها لم تنتج "كتباً" بالمعنى الأكاديمي الحديث. هذا ليس علماً؛ هذا استعلاء ثقافي فرضته عقلية المستعمر الذي اعتاد أن يقيس الآخرين بمقياسه هو.

ثانياً: وهم البدائية والكود الثنائي (Binary Code)
لنفترض جدلاً أن الكتابة هي حداثة. لكن هل اللغة والتواصل يعنيان بالضرورة "حروفاً"؟
انظر إلى الجهاز الذي تقرأ منه هذا المقال الآن. إنه يعمل بلغة تفوق التعقيد بملايين المرات، لغة تتكون من رمزين فقط: صفر وواحد 01100011001010.
هل يصف أحد هذه اللغة بالبدائية؟ بالطبع لا، لأنها لغة برمجية عالية الكفاءة.
إذن، من قال إن النقوش التي تركها أجدادنا على جدران المعابد (مثل "حجر النسور" في غوبكلي تبه، أو خرائط النجوم في مصر) هي مجرد "رسومات فنّية" أو خربشات بدائية؟ ماذا لو كانت تلك الرموز هي لغة بيانات (Data Code) علمية وفلكية، تعتمد على التشفير، ونحن فقط من يفتقر إلى "المفتاح" (The Key) لفك شفرتها؟


ختم أثري من حضارة وادي السند يظهر ثوراً ورموزاً غير مفهومة تمثل لغة مشفرة قديمة.
ختم من حضارة وادي السند.. رموز لم يستطع العلم الحديث فك شفرتها حتى اليوم. (المصدر: ويكيميديا كومنز).

ثالثاً: إشارة من النصوص القديمة (العلم قبل الاختراع):

ولعل هذه الفكرة تجد صدى عميقاً في النصوص القديمة. انظر إلى قوله تعالى على لسان من يمتلك علماً خاصاً: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ).
هذا النص يشير بوضوح إلى أن هناك من امتلك "علماً" (أو كوداً برمجياً متقدماً) مكنه من تجاوز قوانين المادة والزمان ونقل الأشياء بلمح البصر. فإذا كان هذا العلم المتقدم موجوداً في تلك العصور، فهل يصح أن نطلق على من يمتلكه لفظ "البدائي"؟ إن فشلنا في فهم أدواتهم لا يعطينا الحق في إنكار تقدمهم.

رابعاً: فشل العلم في فك الشيفرة ليس دليلاً على البدائية:
حتى يومنا هذا، يقف علماء الآثار عاجزين أمام فك رموز حضارة وادي السند (Indus Valley) في باكستان، ويفترضون أنها كانت "لغة تجارية". ويقفون عاجزين أمام فهم الغاية الدقيقة من نصب غوبكلي تبه.
عندما يفشل عالم في فهم شيء، يكون رد الفعل الدفاعي هو تصنيفه كـ "بدائي" أو "طقسي بسيط". نحن نتعامل مع بقايا حضارات كانت تعرف علم الفلك، والهندسة المعمارية الدقيقة، والتنظيم الاجتماعي المعقد، ثم نصفها بالبدائية لمجرد أن لغتها لم تصلنا كاملة!


لوح طيني سومري قديم يحتوي على رموز تصويرية تمثل بداية الكتابة وتشفير البيانات.
لوح مسماري مبكر.. هل كان هذا "الكود" مجرد حروف أم بيانات علمية معقدة؟ (المصدر: ويكيميديا كومنز).

خامساً: إعادة كتابة السطر الأول:
من بنى غوبكلي تبه قبل 12 ألف عام؟ صيادون. من بنى الأهرامات؟ مصريون قدامى. هل هؤلاء بدائيون؟ بالتأكيد لا. لقد كانوا يمتلكون وعياً هندسياً وفلكياً يتجاوز في بعض الأحيان قدراتنا الحالية.
نحن لا نعرف التاريخ الحقيقي للبشرية؛ نحن نعرف فقط "تاريخ من كتبوا". والتاريخ الحقيقي قد يكون مخفياً في الرموز التي لم نستطع قراءتها بعد، أو في الأدوات التي صنعوها وتجاهلناها.

في النهاية،

أن تعتبر أن التاريخ يبدأ بالكتابة، هو كأن تعتبر أن حياتك تبدأ في اليوم الذي حصلت فيه على أول بطاقة هوية. أنت كنت موجوداً قبلها، تعيش، وتشعر، وتفكر، لكن العالم لم يعترف بك رسمياً. أجدادنا لم يكونوا بدائيين، بل كانوا يمتلكون عقولاً تحاول فهم الكون بطرق مختلفة. وعلينا أن ننزل من برجنا العاجي، وأن نكف عن وصفهم بالبدائية، وأن نبدأ في احترام كودهم الخاص.

اقرأ أيضاً: هل تريد دليلاً مادياً على أنهم لم يكونوا بدائيين؟ اقرأ تحليلنا لمقال: غوبكلي تبه: المعبد الذي هدم نظرية "الزراعة قبل الحضارة"! لترى كيف بنى "الصيادون" أعظم معبد في التاريخ.

الاكثر قراءة