‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة المسمارية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتابة المسمارية. إظهار كافة الرسائل

مكتبة آشور بانيبال: الإمبراطورية التي حفظت العالم بالنار

في مقالنا السابق عن النبي إدريس (أخنوخ)، تحدثنا عن "أول من خطّ بالقلم" وعن العلم الذي سبق التاريخ. واليوم نضرب موعدًا مع الدليل المادي الأكبر على هذه الفكرة؛ دليل لا يقبل الإنكار، لأنه محفور على الحجر ومطبوع في الطين. إنها مكتبة آشور بانيبال.

ولنبدأ من نهايتها لا من بدايتها؛ من الحريق الذي أنهى المدينة، لأنه هو الذي أنقذ الكتب.

في سنة 612 قبل الميلاد، اجتمع البابليون والميديون على نينوى فأحرقوا قصورها، وظنّوا أنهم يمحون آشور من الوجود. لكن النار التي التهمت الجدران فعلت بالمكتبة عكس ما أرادوا: الألواح الطينية التي كانت تُترك لتجفّ في الشمس تحوّلت تحت الحرارة إلى فخّار صلب، فصمدت ألفين وخمسماية سنة في الأنقاض حتى انتشلها المنقبون. أعظم مكتبة في العالم القديم لم تنجُ من الحريق… بل نجت بسببه.

"ألواح طينية مسمارية من مكتبة آشور بانيبال في نينوى معروضة في المتحف البريطاني"
"ألواح مسمارية من مكتبة آشور بانيبال، انتشلت من خرائب نينوى وتُعرض اليوم في المتحف البريطاني."


ملك يجمع العالم في غرفة

آشور بانيبال (668–627 ق.م) هو آخر ملوك آشور العظام، وقد وصف نفسه في نقوشه بأنه "ملك العالم، ملك آشور"، لكنه أراد لقبًا آخر لم يكتبه أحد من قبله على الحجر: جامع كل ما كُتب.

لم يكن يشتري الكتب في الأسواق فقط. أرسل كتبة وعملاء إلى بابل ونينوى وغيرها، وطلب من قادته أن يجمعوا كل لوح يجدونه في المعابد والمكتبات الخاصة، وأن ينسخوا النصوص القديمة التي لم يعد يفهمها أحد. فوصلت إلى قصره ألواح عن الطب والنجوم والقانون والأدب وقوائم المفردات والمعاجم، حتى بلغ ما انتشل منه المنقبون أكثر من ثلاثين ألف لوح وكسر.

والمفارقة الصغيرة التي تكشف عقلًا إداريًا مذهلًا: كل لوح يحمل في نهايته "بصمة" تُعرف بالكولوفون، تكتب عنوان النص، وعدد ألواحه، واسم الناسخ، والملك الذي يملكه. أي أن آشور بانيبال أنشأ ما يشبه نظام فهرسة مكتبي قبل أن تُولد المكتبات بألفي سنة.

ولهذا يقول المنقبون إن المكتبة لم تكن خزانة كتب، بل كانت مشروعًا سياسيًا:
من يملك كل ما كُتب، يملك تفسير كل ما سيحدث.

رسم توضيحي قديم لعلماء الآثار وهم يكتشفون تمثالاً آشورياً مجنحاً ضخماً في نينوى.
بعثة أثرية تكتشف تمثال "لاماسو" في نينوى.. بوابة الدخول إلى حضارة الآشوريين. (المصدر: ويكيميديا كومنز).

يوم خرجت آشور من التراب

في منتصف القرن التاسع عشر، كان علماء الآثار يقفون أمام تلّ قوينجق في الموصل، لا يعرفون أن تحت أقدامهم أرشيف إمبراطورية. في الرسم الذي أمامك يخرج الجسد المجنّح من التراب شيئًا فشيئًا، بوجه إنسان وجسد ثور وأجنحة، بينما يقف الرجال حوله كأنهم يوقظون حارسًا نائمًا.

بدأ أوستن هنري لايارد العمل سنة 1849، ثم أكمل هرمز رسام التنقيب سنة 1852 في القصر الشمالي، فتدفّق ما يقارب ثلاثين ألف لوح إلى المتحف البريطاني حاملةً أدب بلاد الرافدين كله. لكن اللحظة التي غيّرت تاريخ فهمنا للإنسان جاءت سنة 1872، حين كان الشاب جورج سميث يقرأ لوحًا عن فيضان عظيم، فأدرك أنه يواجه رواية شبيهة برواية الطوفان في النصوص المقدسة. يُروى أنه قفز من مكانه وأخذ يدور في الغرفة من شدة الانفعال، ثم بدأ يخلع ملابسه وهو يصيح. تلك كانت ملحمة جلجامش تعود إلى الحياة من تحت رماد نينوى.

فمن "أول من خطّ بالقلم" في المقدمة، نصل الآن إلى قوم لم يكتفوا بالكتابة، بل قرّروا أن ينسخوا كل ما كُتب قبلهم. وهذا هو الفارق بين من يبدأ الحكاية ومن يحفظها.

نقش آشوري يظهر الملك في عربته الحربية، يجسد قوة الإمبراطورية الآشورية.
قوة الإمبراطورية الآشورية التي مكنت آشور بانيبال من جمع المعرفة. (المصدر: ويكيميديا كومنز).

الوجه الآخر للإمبراطورية

هذه العربة التي تجرّها الخيول ويقودها رجلان ممسكان باللجام، ليست مشهدًا للزينة. هي إعلان. فالنقش الآشوري لا يوثّق ما حدث بقدر ما يوثّق ما يجب أن يُخاف منه، والحجر عندهم كان سلاح دعاية قبل أن يكون سجلًّا تاريخيًّا.

ولنكن صريحين: هؤلاء لم يكونوا ملائكة. الإمبراطورية التي جمعت العلم كانت تعذّب أعداءها وتفتخر بتصوير ذلك على جدران قصورها. لكن هذه الازدواجية هي بالضبط ما يجعل التاريخ غير أبيض وأسود: اليد نفسها التي حفرت الرعب على الحجر، هي التي ضغطت العلم في الطين. لم يبنِ الآشوريون معابد فقط، بل بنوا خزانة صلبة للحضارة.

ما تعنيه هذه المكتبة لنا اليوم

لعلّ أعجب ما في القصة أن الحضارة لا تُقاس بما شيّدته من قصور، فكل القصور سقطت. تُقاس بما حرصت على نسخه. آشور بانيبال لم يترك لنا معبدًا قائمًا، بل ترك ثلاثين ألف لوح، فيها أسطورة طوفان، ووصفات طبية، ورصد لحركة الزهرة، وقانون، وشعر.

ولذلك حين نتحدث عن "العلم الذي سبق التاريخ"، فإن أصدق ما يعضد هذه الفكرة ليس نصًّا مقدسًا، ولا حكاية شفهية، بل طين خبزته نار الأعداء، وحمله منقّب إنجليزي إلى لندن، وما زال حتى اليوم يُقرأ في المتحف البريطاني. الحضارات تموت، والطين يتكلم.

الخلاصة:

مكتبة آشور بانيبال ليست مجرد أطلال، إنها "خزانة أسرار" للحضارة القديمة. حاول الغزاة تدميرها، والنار أرادت محوها، لكنها بقيت لتخبرنا بالحقيقة: كان هناك من يعلم، وكان هناك من يدون. ونحن، في عصرنا هذا، ما زلنا نتعلم من "الكود" الذي تركوه لنا.

اقرأ أيضاً: بدأت الحكاية عند حدود ال٤رواية، في مقالنا عن النبي إدريس (أخنوخ): أول من خطّ بالقلم، وأول من نظر في علم النجوم والحساب.
النبي إدريس (أخنوخ): أول من خطّ بالقلم وعلم النجوم

وهم "الإنسان البدائي": لماذا نرفض التاريخ الذي يبدأ بالكتابة؟

رسوم كهف لاسكو تعبر عن وعي الإنسان منذ الخليقة.
 رسومات من كهف لاسكو بفرنسا - المصدر: صفحة pagefadydow [1.2.1، 1.2.8].

المقدمة:
هل يمكنك أن تتخيل عالماً كاملاً يعمل، ويتواصل، ويبني، ويسجل أحداثه، ثم يأتي من يصفه بـ "البدائي" لمجرد أنه لم يستخدم الحروف الأبجدية التي نستخدمها نحن؟
هذا هو بالضبط ما فعله علم التاريخ الحديث. لقد رسم علماء الآثار والأنثروبولوجيا خطاً وهمياً في الرمال، وقرروا أن "التاريخ" يبدأ في اللحظة التي اخترع فيها السومريون الكتابة المسمارية في العراق، حوالي 3200 قبل الميلاد. وكل ما سبق ذلك، أُلقِيَ في سلة المهملات تحت مسمى: "عصور ما قبل التاريخ" (Prehistory). وكأن الإنسان قبل السومريين كان كائناً بلا وعي، أو بلا ذاكرة، أو بلا لغة.

لكن دعنا نفكك هذا الوهم.

أولاً: من يملك الحق في تعريف "التاريخ"؟
المنهج التاريخي الغربي في القرن التاسع عشر هو من وضع هذا التعريف. لقد كانوا يبحثون عن نصوص يمكنهم قراءتها وفهمها بسهولة، ليصنفوا الحضارات على أنها "متقدمة" أو "بدائية". الحضارات التي تركت لنا نقوشاً ورموزاً (مثل المايا، أو وادي السند، أو حتى بناة غوبكلي تبه) تم وصمها بأنها بدائية لأنها لم تنتج "كتباً" بالمعنى الأكاديمي الحديث. هذا ليس علماً؛ هذا استعلاء ثقافي فرضته عقلية المستعمر الذي اعتاد أن يقيس الآخرين بمقياسه هو.

ثانياً: وهم البدائية والكود الثنائي (Binary Code)
لنفترض جدلاً أن الكتابة هي حداثة. لكن هل اللغة والتواصل يعنيان بالضرورة "حروفاً"؟
انظر إلى الجهاز الذي تقرأ منه هذا المقال الآن. إنه يعمل بلغة تفوق التعقيد بملايين المرات، لغة تتكون من رمزين فقط: صفر وواحد 01100011001010.
هل يصف أحد هذه اللغة بالبدائية؟ بالطبع لا، لأنها لغة برمجية عالية الكفاءة.
إذن، من قال إن النقوش التي تركها أجدادنا على جدران المعابد (مثل "حجر النسور" في غوبكلي تبه، أو خرائط النجوم في مصر) هي مجرد "رسومات فنّية" أو خربشات بدائية؟ ماذا لو كانت تلك الرموز هي لغة بيانات (Data Code) علمية وفلكية، تعتمد على التشفير، ونحن فقط من يفتقر إلى "المفتاح" (The Key) لفك شفرتها؟


ختم أثري من حضارة وادي السند يظهر ثوراً ورموزاً غير مفهومة تمثل لغة مشفرة قديمة.
ختم من حضارة وادي السند.. رموز لم يستطع العلم الحديث فك شفرتها حتى اليوم. (المصدر: ويكيميديا كومنز).

ثالثاً: إشارة من النصوص القديمة (العلم قبل الاختراع):

ولعل هذه الفكرة تجد صدى عميقاً في النصوص القديمة. انظر إلى قوله تعالى على لسان من يمتلك علماً خاصاً: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ).
هذا النص يشير بوضوح إلى أن هناك من امتلك "علماً" (أو كوداً برمجياً متقدماً) مكنه من تجاوز قوانين المادة والزمان ونقل الأشياء بلمح البصر. فإذا كان هذا العلم المتقدم موجوداً في تلك العصور، فهل يصح أن نطلق على من يمتلكه لفظ "البدائي"؟ إن فشلنا في فهم أدواتهم لا يعطينا الحق في إنكار تقدمهم.

رابعاً: فشل العلم في فك الشيفرة ليس دليلاً على البدائية:
حتى يومنا هذا، يقف علماء الآثار عاجزين أمام فك رموز حضارة وادي السند (Indus Valley) في باكستان، ويفترضون أنها كانت "لغة تجارية". ويقفون عاجزين أمام فهم الغاية الدقيقة من نصب غوبكلي تبه.
عندما يفشل عالم في فهم شيء، يكون رد الفعل الدفاعي هو تصنيفه كـ "بدائي" أو "طقسي بسيط". نحن نتعامل مع بقايا حضارات كانت تعرف علم الفلك، والهندسة المعمارية الدقيقة، والتنظيم الاجتماعي المعقد، ثم نصفها بالبدائية لمجرد أن لغتها لم تصلنا كاملة!


لوح طيني سومري قديم يحتوي على رموز تصويرية تمثل بداية الكتابة وتشفير البيانات.
لوح مسماري مبكر.. هل كان هذا "الكود" مجرد حروف أم بيانات علمية معقدة؟ (المصدر: ويكيميديا كومنز).

خامساً: إعادة كتابة السطر الأول:
من بنى غوبكلي تبه قبل 12 ألف عام؟ صيادون. من بنى الأهرامات؟ مصريون قدامى. هل هؤلاء بدائيون؟ بالتأكيد لا. لقد كانوا يمتلكون وعياً هندسياً وفلكياً يتجاوز في بعض الأحيان قدراتنا الحالية.
نحن لا نعرف التاريخ الحقيقي للبشرية؛ نحن نعرف فقط "تاريخ من كتبوا". والتاريخ الحقيقي قد يكون مخفياً في الرموز التي لم نستطع قراءتها بعد، أو في الأدوات التي صنعوها وتجاهلناها.

في النهاية،

أن تعتبر أن التاريخ يبدأ بالكتابة، هو كأن تعتبر أن حياتك تبدأ في اليوم الذي حصلت فيه على أول بطاقة هوية. أنت كنت موجوداً قبلها، تعيش، وتشعر، وتفكر، لكن العالم لم يعترف بك رسمياً. أجدادنا لم يكونوا بدائيين، بل كانوا يمتلكون عقولاً تحاول فهم الكون بطرق مختلفة. وعلينا أن ننزل من برجنا العاجي، وأن نكف عن وصفهم بالبدائية، وأن نبدأ في احترام كودهم الخاص.

اقرأ أيضاً: هل تريد دليلاً مادياً على أنهم لم يكونوا بدائيين؟ اقرأ تحليلنا لمقال: غوبكلي تبه: المعبد الذي هدم نظرية "الزراعة قبل الحضارة"! لترى كيف بنى "الصيادون" أعظم معبد في التاريخ.

الاكثر قراءة