‏إظهار الرسائل ذات التسميات اكتشافات أثرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اكتشافات أثرية. إظهار كافة الرسائل

لوح الطوفان: كيف عاد جلجامش من تحت تراب نينوى؟

 

لم يعد جلجامش من قبر يحمل اسمه، ولا من تمثال يروي سيرته، بل من كلمات مسمارية بقيت على الطين. وفي القرن التاسع عشر، لفت أحد ألواح نينوى الأنظار إلى حكاية مألوفة بعيدة: رجل يُحذَّر من طوفان، فيبني سفينة، ويحمل فيها أهله والحيوانات، ثم يرسل الطيور بحثًا عن اليابسة. كان ذلك اللوح جزءًا من ملحمة جلجامش، وكان التعرف إلى مضمونه خطوة حاسمة في عودة أدب بلاد الرافدين إلى القراء المعاصرين.

لوح طيني متضرر، تغطي سطحه أعمدة من الكتابة المسمارية، يُعرف بلوح الطوفان من ملحمة جلجامش.
لوح الطوفان من ملحمة جلجامش، يروي قصة أوتنابشتم ونجاته من الطوفان. المتحف البريطاني، رقم القطعة K.3375.


لكن من هو جلجامش؟ ولماذا حُفظت قصته في مكتبة ملك آشوري؟ وهل اكتشاف رواية قديمة عن الطوفان يعني إثبات وقوع أحداثها كما يصفها النص؟

للإجابة، نحتاج إلى الفصل بين ثلاثة أمور: الملك الذي تتذكره التقاليد، والبطل الذي صنعه الأدب، واللوح الأثري الذي نقل الحكاية إلينا.

من هو جلجامش: ملك أم بطل أسطوري؟

جلجامش هو بطل الملحمة المعروفة باسمه، وتذكره قائمة الملوك السومرية بوصفه ملكًا على مدينة أوروك، في جنوب العراق الحالي. ويرجّح باحثون أن وراء الشخصية الأدبية ملكًا تاريخيًا عاش في الألف الثالث قبل الميلاد، لكن تفاصيل حياته لا تتمتع بالتوثيق نفسه الذي نملكه عن ملوك لاحقين، مثل آشور بانيبال.

وهنا يبدأ التمييز الضروري: احتمال وجود ملك اسمه جلجامش لا يجعل كل مغامرات الملحمة وقائع تاريخية. فالأدب أعاد تشكيل الشخصية، ومنحها قدرات استثنائية وعلاقات بالآلهة، وجعلها تخوض رحلة تتجاوز حدود الحياة اليومية.

ولهذا فالأدق أن نصفه بأنه ملك ذو أساس تاريخي محتمل، تحوّل في التراث إلى بطل أسطوري؛ لا أن نقدمه باعتباره شخصية خيالية محضة، ولا أن نتعامل مع الملحمة كسجل رسمي لحروبه وأسفاره.

لماذا يبحث جلجامش عن الخلود؟

تتجاوز الملحمة أخبار البطولة والانتصار؛ ففي قلبها سؤال إنساني شديد البساطة: ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أن القوة لا تحميه من الموت؟

بعد فقدان صديقه إنكيدو، ينطلق جلجامش بحثًا عن سبيل إلى النجاة من المصير نفسه. وتقوده رحلته إلى أوتنابشتم، الرجل الذي نجا من الطوفان وحصل، وفق الحكاية، على حياة استثنائية لا ينالها البشر عادة.

إذن، جلجامش ليس باني سفينة الطوفان في الملحمة. إنه المستمع إلى قصة الناجي منها.

هذه نقطة قد يختلط فهمها على القارئ: قصة الطوفان تأتي داخل حكاية أوسع عن بحث جلجامش عن الحياة. فهو يسأل أوتنابشتم عن سر مصيره المختلف، فيروي له الرجل ما حدث.

ولِفهم كيف وصلت ألواح الملحمة إلى نينوى، نعود إلى مكتبة آشور بانيبال، التي تناولنا حكايتها في مقالنا السابق


رسم توضيحي لشخص جالس يقرأ داخل مكتبة قديمة.
مشهد تخيّلي يستحضر حفظ النصوص وقراءتها في العالم القديم، ولا يوثّق الهيئة الفعلية لمكتبة آشور بانيبال.

لم تُكتب ملحمة جلجامش دفعة واحدة، ولم يؤلفها آشور بانيبال. بدأت تقاليدها بقصائد سومرية عن البطل، ثم تطورت في نصوص باللغة الأكادية عبر مراحل طويلة من النقل وإعادة الصياغة.

أما الصلة المباشرة بمقالنا السابق عن المكتبة، فهي أن نسخًا من الملحمة حُفظت ضمن مجموعة ألواح نينوى المرتبطة بآشور بانيبال. وينسب المتحف البريطاني لوح الطوفان الشهير إلى القرن السابع قبل الميلاد، ويدرجه ضمن مجموعة «مكتبة آشور بانيبال».

وهذا يعني أن علينا التفريق بين زمن الحكاية وزمن النسخة التي بقيت منها: فاللوح الآشوري ليس بداية قصة جلجامش، بل شاهد متأخر على تقليد أدبي أقدم.

المكتبة لم تخلق البطل؛ لكنها أسهمت في حفظ الكلمات التي أعادته إلينا.

من تراب نينوى إلى قاعة القراءة

يسجل المتحف البريطاني أن هرمز رسام استخرج لوح الطوفان من قوينجق، أحد التلال الأثرية في موقع نينوى. ويحمل اللوح اليوم الرقم المتحفي K.3375.

لكن استخراج القطعة من الأرض شيء، وفهم ما تقوله شيء آخر.

رسم لجورج سميث، عالم الآشوريات في المتحف البريطاني.
جورج سميث في رسم نُشر بصحيفة «أخبار لندن المصوّرة» بتاريخ 10 أبريل 1875. 


في سنة 1872، أثارت قراءة جورج سميث لنص الطوفان





اهتمامًا واسعًا بسبب التشابه بينه وبين رواية الطوفان في سفر التكوين. لم يكن الحدث مجرد العثور على قطعة أثرية جميلة؛ بل التعرف إلى نص قديم يفتح باب المقارنة بين تقاليد دينية وأدبية في الشرق الأدنى.

هنا تكمن قيمة العمل على الألواح: قد تبدو القطعة للعين غير المتخصصة خطوطًا متكررة على سطح مكسور، بينما يستطيع فك الكتابة ودراسة اللغة أن يحوّلاها إلى أسماء وأفعال وحوار وحكاية.

عودة جلجامش، بهذا المعنى، لم تكن لحظة تنقيب واحدة، بل سلسلة أعمال: استخراج الألواح، وحفظها، وقراءة علاماتها، ثم مقارنة نصوصها وترجمتها.

ماذا يروي لوح الطوفان؟

يحمل اللوح جزءًا من النص المعروف باللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش. وفيه يروي أوتنابشتم كيف قررت الآلهة إرسال طوفان، وكيف كشف له الإله إيا الخطة ووجّهه إلى بناء سفينة ينقذ بها نفسه وأهله، ويأخذ فيها الطيور والحيوانات.

بعد إغلاق باب السفينة تبدأ الكارثة. ثم تنحسر المياه وتستقر السفينة، ويستخدم الناجي الطيور ليستكشف ما إذا كانت الأرض قد أصبحت صالحة للنزول.

يصف النص عودة طائر أُرسل أولًا لأنه لم يجد موضعًا يستقر فيه، ثم عودة السنونو، بينما لا يعود الغراب في النهاية، فيكون ذلك علامة على تراجع المياه. وبعد الخروج، يقدم أوتنابشتم قربانًا للآلهة.

هذه التفاصيل هي التي جعلت اللوح لافتًا: ليست هناك مياه مدمرة فحسب، بل تسلسل قصصي يشمل التحذير، والسفينة، والنجاة، والطيور، والقربان.

ومع ذلك، تظل هذه الأحداث جزءًا من عالم الملحمة كما يرويها النص، لا تقريرًا أثريًا مستقلًا عن كارثة موثقة بكل تفاصيلها.

هل لوح الطوفان دليل على وقوع طوفان عالمي؟

هنا يجب أن نتوقف عند حدود ما نعرفه.

اللوح دليل مادي على أن رواية عن الطوفان كانت مكتوبة ومتداولة في بلاد الرافدين القديمة. لكنه، بمفرده، لا يثبت أن فيضانًا غطى الأرض كلها، ولا أن جميع تفاصيل الرواية حدثت كما وردت فيها.

فالقطعة الأثرية تثبت وجود النص، أما إثبات الحدث المروي فيحتاج أدلة أخرى مستقلة عنه.

وبالمثل، فإن التشابه بين هذه الرواية ورواية الطوفان في سفر التكوين يستحق الدراسة، وهو بالفعل ما أثار الانتباه إلى اللوح في القرن التاسع عشر. لكن التشابه وحده لا يحسم جميع الأسئلة المتعلقة بأصول الروايات وطرق انتقالها والعلاقات بينها.

لا تقل قيمة اللوح حين نلتزم بهذه الحدود؛ بل تصبح قيمته أوضح. فهو يمنحنا نصًا يمكن قراءته ومقارنته، بدل أن نحمّله إجابات عن كل أسئلة التاريخ والدين.

ماذا بقي من الملك الذي أراد ألّا يموت؟

رسم لشخص يركب عربة آشورية ذات عجلتين، ورجلين يمسكان بلجام الخيول.
رسم لمشهد آشوري تظهر فيه عربة ذات عجلتين تجرّها الخيول. لم تُحسم هوية الراكب من بيانات الصورة المتاحة.

ليست أهمية جلجامش في أنه وجد حلًا سهلًا للموت، بل في أن رحلته جعلت الخوف منه موضوعًا للأدب. ملك قوي يفقد صديقه، فيكتشف أن سلطانه لا يكفي، وأن عليه أن يسأل عن حدود الإنسان نفسه.

وربما لهذا ما زالت حكايته قابلة للقراءة: فالأسماء والآلهة والمدن تنتمي إلى عالم قديم، لكن سؤال الفقد لم يصبح قديمًا.

أما المفارقة الأخيرة، فهي أن البطل الذي بحث عن استمرار حياته بقي اسمه بوسيلة أخرى: نسخ الكتبة قصته، وحُفظت ألواحها، ثم جاء من تعلّم قراءة ما بقي منها.

لم يعد جلجامش من تحت تراب نينوى بجسده، بل بحكايته. وبين يد الكاتب القديم وعين القارئ المعاصر، أدّى الطين دورًا لم يكن صغيرًا: حفظ الكلمات حين غاب أصحابها.

اقرأ أيضًا: مكتبة آشور بانيبال: الإمبراطورية التي حفظت العالم بالنار.

الاكثر قراءة